العودة   منتدى العرب المسافرون الحقيقي > بوابه الحج > بوابه الحج


إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 05-04-2021, 02:29 PM
latifa Naf1
latifa Naf1 غير متصل
مشرف
 
معلومات العضو
التسجيل: May 2015
العضوية: 97935
المشاركات: 4,742 [+]
بمعدل : 1.85 يوميا
اخر زياره : [+]
افتراضي باب محظورات الإحرام في الحج



الحج شعيرة عظيمة، يخرج فيها العبد عن أهله ووطنه، ويخرج كذلك عن إلفه ورفاهيته، ولذلك حظر على المحرم عدة أمور ما تحصل بها الرفاهية؛ ليكون أبلغ في التعبد لله، منها: الأخذ من الشعر والأظافر، وتغطية الرأس، ولبس المخيط للذكر، واستخدام الطيب.
محظورات الإحرام
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
معنى محظورات الإحرام وعددها
فيقول المصنف رحمه الله: [باب: محظورات الإحرام]: المحظورات: جمع محظور، يقال: حُظر الشيء إذا مُنع، والمراد بهذا الباب أن يبين رحمه الله جملة من المسائل والأحكام المتعلقة بما ينبغي على المحرم أن يجتنبه.
والسبب في ذلك: أن الله سبحانه وتعالى حرم على المحرم إذا أحرم بالنسك من حج أو عمرة أو هما معاً أن يفعل أشياء في بدنه أو متعلقة بالغير، وهذه الأشياء جاءت بها نصوص الكتاب ونصوص السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجمع العلماء رحمهم الله على أكثرها، ولا يجوز للمسلم إذا أحرم بالنسك أن يتلبس بها، وتوصف بكونها محظورات؛ لأن الله حظرها على المحرم؛ تعظيماً لهذه الشعيرة، وإشغالاً لعبده بما هو أهم، ولذلك يكون له الأجر والمثوبة بالامتناع والانكفاف عن هذه الأمور التي حرمها الله عليه.
أما مناسبة هذا الباب لما قبله: فبعد أن بيّن رحمه الله الإحرام شرع في بيان ما ينبغي على المحرم أن يجتنبه، وهذا ترتيب صحيح؛ لأن أول ما يفعله الحاج والمعتمر أن يحرم، فإذا أحرم تقول له: لا تفعل أو افعل، فإذا قلت له: لا تفعل، فهذه هي المحظورات، فيكون الكلام عن المحظورات بعد وقوع الإحرام وبيان أحكامه.
قوله: [وهي تسع].
أي: المحظورات تسع، وهذا أسلوب إجمال قبل البيان والتفصيل، يهيئ السامع ويشوقه إلى معرفة هذه التفاصيل، بخلاف ما إذا بدأ بها سرداً.
وهذه المحظورات التسع منها ما يتعلق ببدن الإنسان، ومنها ما يتعلق بغيره، ومنها ما يعين على تفرغ القلب لذكر الله عز وجل، ومنها ما شرع الله عز وجل للمحرم أن ينكف عنه ابتلاء واختباراً.
المحظور الأول: حلق الشعر
قال رحمه الله: [حلق الشعر]: وهو المحظور الأول، والمراد بذلك جزّه، وجزّ الشعر يكون بالموس ويكون بالسكين وما في حكمهما من الآلات.
أي: يحرم على المحرم أن يحلق شعره، والأصل في ذلك التحريم قوله سبحانه وتعالى: {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة:196]، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إني لبدت شعري وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر)، فلا يجوز لمن أحرم بالنسك أن يحلق شعره.
وعمم رحمه الله في الشعر، فشمل شعر أعالي البدن كشعر الرأس وشعر اللحيين والشارب، وكذلك شعر الصدر وشعر اليدين، وأسافل البدن، فيشمل ما يكون حول الفرجين، وعلى الساقين، فكل ذلك حظر على المحرم أن يزيله.
وتقع الإزالة بالحلق كما تقع بالنتف، وكذلك بالتقصير، فهذه ثلاثة أوجه للاعتداء على الشعر: إما بالحلق، وإما بالتقصير، وإما بالنتف، فالحلق والنتف كلاهما في حكم واحد، والتقصير دلت السنة على أنه في حكم الحلق، أي: من ناحية التأثير وإن كان دونه من ناحية الفضل، ولذلك يصح أن تتحلل من العمرة والحج بالتقصير كما تتحلل بالحلق، فأنت منهي عن قص الشعر كما أنك منهي عن حلق الشعر، وهما في مرتبة واحدة من حيث الحكم، وإن كان الحلق أفضل من التقصير.
وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم أن يحلق كما لا يجوز له أن يقصر؛ لأن الله عز وجل نص على هذا التحريم في كتابه، وكذلك نتف الشعر، كنتف شعر الإبطين ونحو ذلك، فهذا بالإجماع يعتبر محرماً، خلافاً لمن شذ في مسألة النتف، فإن النتف فيه إزالة أبلغ من إزالة الحلق، وعلى هذا فلا يجوز له أن يحلق، ولا أن يقصر، ولا أن ينتف، سواء كان التقصير لأغلب الشعر أو كان لأقله، فلو أخذ قدراً يسيراً من الشعر وقصه فإنه كأخذ الشعرة نفسها، فالتقصير في حكم الحلق سواء بسواء.
فحلق الشعر محظور من محظورات الإحرام، والعلماء رحمهم الله أجمعوا عليه، لكن بينهم خلاف في بعض التفاصيل، أما من حيث كونه محظوراً فهذا ليس فيه خلاف بين أهل العلم رحمهم الله.
قال بعض العلماء: إن الله عز وجل ابتلى الحاج بأن يكون على شعث وعلى حالة وهيئة تخالف حال المترفّه، ولذلك يترك الشعر حتى يكون أبلغ في تقربه لله سبحانه وتعالى، وأبعد عن الترفّه الذي يشغله عن العبادة.
المحظور الثاني: تقليم الأظافر
قال رحمه الله: [وتقليم الأظافر]: أي: المحظور الثاني: تقليم الأظافر، والمراد بذلك قصها، وقص الأظافر من خصال الفطرة، كما ثبت بذلك الحديث في الصحيحين، ولكن الله عز وجل حرم على المحرم أن يقلم أظفاره؛ لأنه من التفث، وقد نهي المحرم عن تقليم الأظفار لما فيه من الترفه، والدليل على ذلك قوله سبحانه: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج:29]، قال بعض السلف: إن التفث المراد به إزالة الأظفار بقص وتقليم ونحو ذلك، وعلى هذا جماهير أهل العلم.
[فمن حلق أو قلم ثلاثة فعليه دم].
إذا كان المسلم مأموراً باجتناب حلق الشعر وتقليم الأظفار، فمتى يكون الإخلال كاملاً في قصه للشعر أو حلقه له أو نتفه له، وكذلك في تقليمه للأظفار؟ قال جمع من العلماء: إن الله سبحانه وتعالى قال: {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ} [البقرة:196]، قالوا: ولا يمكن أن يكون مخلاً إلا إذا أزال ثلاث شعرات فأكثر، وهي أقل ما يصدق عليه الجمع، فمن أزال شعرة واحدة فليس عليه فدية ولكن عليه أن يتصدق بحفنة من طعام، ومن أزال الشعرتين فإنه يتصدق بحفنتين من طعام حتى يبلغ قدر الإخلال بثلاث شعرات، وهذا مذهب طائفة من أهل العلم كما درج عليه المصنف رحمه الله؛ والسبب في ذلك: صيغة الجمع في آية البقرة.
المحظور الثالث: تغطية الرأس
قال رحمه الله: [ومن غطى رأسه بملاصق فدى].
أي: هذا هو المحظور الثالث: وهو تغطية الرأس حال الإحرام بالحج أو العمرة، فلا يجوز للمسلم أن يغطي رأسه بملاصق؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله السائل كما في حديث ابن عمر في الصحيحين قال: (يا رسول الله! ما يلبس المحرم؟ قال: لا تلبسوا القمص ولا العمائم)، قالوا: فقال قال عليه الصلاة والسلام: (ولا العمائم) والعمائم جمع عمامة، سميت بذلك لأنها تعم الرأس بالتغطية، قالوا: فكأن مقصود الشرع أن لا يغطي المحرم رأسه، ومن هنا قالوا: من محظورات الإحرام أن يغطي المحرم رأسه بملاصق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نص عليه فقال: (ولا العمائم) وهي التي تلاصق، وكذلك نص عليه في قوله: (ولا البرانس) لأن البرنس يكون غطاء ملتصقاً بنفس الثوب، قالوا: فهذا النص الصحيح يدل دلالة واضحة على أن المحرم لا يجوز له أن يغطي رأسه، بل يضحى حتى يكون أبلغ في تذلله لله سبحانه وتعالى، ويكون رأسه مكشوفاً.
فلا يجوز للمحرم الذكر أن يغطي رأسه بالإجماع، وإذا غطى رأسه بغير الملاصق كأن يأتي تحت جدار، أو يأتي مثلاً تحت غطاء السيارة الذي من أعلى يستظل من الشمس، أو جاء تحت شجرة، فلا حرج في ذلك؛ لأنه ليس بملاصق، وهو وإن غطى الرأس من جهة كونه يحول بين الرأس وبين السماء لكنه ليس بملاصق مؤثر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نص على تحريم الملاصق، ومن هنا تجد العلماء رحمهم الله يقولون: بملاصق، أي: أن يغطي رأسه بملاصق، فخرج غير الملاصق، ولو حمل على رأسه شيئاً فللعلماء وجهان: قال بعض أهل العلم: لا يجعل ذلك الشيء يلتصق برأسه، فلو حمل متاعاً قالوا: عليه أن يبينه عن الرأس، ولا يجعله ملتصقاً بالرأس.
ومن أهل العلم من فصل فقال: إن وضعه على الرأس بقصد حمله فإنه يجوز؛ لأن التغطية جاءت تبعاً، ويجوز في الشيء تبعاً ما لا يجوز قصداً كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وكما لو أراد الطبيب أن يقطع من جلدة يده وعليها شعر، فإنه إذا زالت الجلدة والشعر عليها فليس عليه فدية؛ لأنه لم يحلق ولم ينتف ولم يقص، وجاءت إزالة الشعر تبعاً ولم تأت أصلاً وقصداً، ففرقوا بين ما كان أصلاً وبين ما كان تبعاً، فقالوا: يجوز له أن يضع المتاع على رأسه، ولا فدية عليه.
ولكن المذهب الذي ينظر إلى صورة الظاهر أبلغ وأقوى؛ وذلك لأنه يوافق معنى النص في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
المحظور الرابع: لبس المخيط للذكر
قوله رحمه الله: [وإن لبس ذكر مخيطاً فدى].
هذا هو رابع المحظورات: والمخيط: هو الذي يحيط بالعضو، سواء كان لأعلى البدن كالقميص، أو كان لأسفل البدن كالسراويل وأمثالها، أو كان جامعاً بين أعلى البدن وأسفله كالثياب الموجودة اليوم، فهذا كله من محظورات الإحرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس)، فدل على عدم جواز ستر أعلى البدن أو أسفله أو كله بالمخيط، وعلى هذا قالوا: إنه يعتبر محظوراً، وهذا محل إجماع بين أهل العلم رحمهم الله.
والمراد بالمخيط كما ذكرنا سابقاً أن يكون محيطاً بالعضو.
فلو ستر بغير المخيط، كأن أخذ الرداء فوضعه على كتفيه أو على عاتقيه فإن هذا هو شأن المحرم، وكذلك أيضاً لو التحف ببطانية أو نحوها على كتفيه فلا بأس، ولا نقول: إنه ستر بدنه بمخيط؛ لأن البطانية ليست مفصلة على الجسد، بخلاف ما إذا لبس عباءة أو بشتاً أو نحو ذلك، فإنه إذا وضعه يعتبر في حكم اللابس، وللعلماء وجهان في البشت: قال بعضهم: لو وضعه على كتفيه ولم يدخل يديه فيه لم يكن لابساً ولا تلزمه الفدية، وإنما تلزمه الفدية إذا حصلت الإحاطة، وذلك بإدخاله اليدين في الأكمام، أما لو وضعه على عاتقيه لشدة برد فلا يلزمه شيء؛ لأنه ليس بلابس حقيقة، وإنما هو مستتر به من شدة البرد فأشبه البطانية أو اللحاف، وهذا قوي وله وجهه، ولكن الورع والأفضل أن لا يفعل الإنسان ذلك، وإن كان لا يصدق عليه من جهة النظر أنه لابس حقيقة إلا بالإدخال، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تلبسوا) ففرق بين الأمرين، ولذلك لو أخذ العباءة ووضعها دون تفصيلها على كتفيه فإنه لا تلزمه الفدية.
فالمخيط ضابطه: أن يكون مفصلاً للعضو، فلا يصدق عليه أنه لابس إلا إذا أدخل يده في الأكمام، لأن الرداء لا يوجب الفدية بالإجماع، ولا يعتبر محظوراً من محظورات الإحرام لعدم اشتماله على الإحاطة بالعضو.
المحظور الخامس: استخدام الطيب في الثوب أو البدن
قوله: [وإن طيب بدنه أو ثوبه].
هذا هو المحظور الخامس وهو: الطيب.
والطيب حرمه الله على المحرم بالحج أو العمرة أو بهما معاً، والأصل في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيحين من حديث ابن عمر: (ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس)، فهذا الطيب في الثياب.
وكذلك أيضاً حرم الطيب في البدن فقال في المحرم الذي وقصته دابته: (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه) وفي رواية: (ولا تمسوه بطيب)، فهذا طيب البدن.
قال العلماء: لا يجوز للمحرم أن يضع الطيب في بدنه بعد إحرامه، لكن لو كان الطيب في بدنه قبل أن يحرم فلا بأس به، ولا يلزمه ما يلزم من تطيب بعد الإحرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُرى أثر الطيب في رأسه وهو محرم، قالت أم المؤمنين رضي الله عنها: (لقد كنت أرى وبيص الطيب في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم)، فدل على أنه إذا كان الطيب قد وضعه الإنسان قبل أن يغتسل لإحرامه، أو بعد أن يغتسل للإحرام وقبل أن يلبي ويدخل في النسك فلا حرج عليه، ولا تلزمه الفدية، ويبقى الطيب.
وهناك فرق بين استدامة الشيء وبين ابتداء وضعه، حيث تلزم الفدية في ابتداء الوضع ولا تلزم في الاستدامة، فلا يجوز له أن يتطيب في بدنه بعد أن يدخل في النسك ولا أن يتطيب في ثوبه، ولذلك ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اعتمر من الجعرانة بعد مرجعه من غزوه حنين، قال صفوان رضي الله عنه: (فجاءه أعرابي عليه جبة عليها الصفرة من أثر الطيب فقال: ما ترى يا رسول الله! في رجل أحرم بالعمرة وعليه ما ترى؟ فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يغط كغطيط البكر، ثم سري عنه، فقال: أين السائل؟ قال: أنا يا رسول الله! قال: انزع عنك جبتك -هذا لبس المخيط- واغسل عنك أثر الطيب، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك)، فقال: (اغسل عنك أثر الطيب)، فدل على أنه لا يجوز للمحرم أن يضع الطيب في ثوبه ولا بدنه، وهذا محل إجماع بين أهل العلم رحمهم الله.
[وإن طيب بدنه أو ثوبه].
يستوي أن يكون الطيب في البدن أو يكون في الثوب، ولكن لو أن إنساناً قبل الإحرام طيب بدنه وكان الطيب في إبطيه ثم اضطبع للطواف بالبيت، فصار طرف الرداء تحت إبطه، فربما أصابه الطيب، فإذا أصابه الطيب فحينئذٍ هذا الرداء إذا بقي عليه فإنه يستدام ويغتفر، لكن لو أنه نزعه لوضوء أو غسل ثم أراد أن يلبسه ثانية فلا بد أن يغسل عنه أثر الطيب في ثوبه.
ففرق بين أن يكون مستديماً متصلاً بالبدن وبين كونه يرد على البدن بعد الإزالة؛ لأن الحكم يستأنف بعد إزالة الرداء، فيكون كأنه لبس الرداء مطيباً، وعلى هذا فلا يجوز له أن يلبسه بعد أن يخلعه، لكن أن يكون معه وعلى بدنه وفيه أثر الطيب، فهذا لا حرج فيه.
أما لو أنه طيب لباس الإحرام قبل أن يلبسه فإنه لا يجوز له أن يلبسه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس) قالوا: فنص على الزعفران والورس؛ لأنه كان موجوداً في زمانه، وهو دليل على أنه لا يجوز أن يضع المحرم الطيب في إحرامه قبل أن يحرم، لكن أن يعلق الطيب من بدنه في الإحرام فهذا من مغتفر، لأنه اتصل بالمغتفر، وما اتصل بالمغفرة كان آخذاً حكمه، فإن الثوب إذا اتصل بالبدن وما في البدن مغتفر كان آخذاً حكم البدن، وعلى هذا فيفرق بين أن يطيب ثوب الإحرام قبل أن يلبسه أو يطيبه بعد لبسه، وبين كون الطيب موجوداً في بدنه قد علقت رائحته بالإحرام، فهذا كله لا يؤثر.
والطيب يكون في البدن، ويكون في الثوب، ويكون بالشم، ويكون بالادهان، وهناك حالة خامسة وهي: أن يأكل الطيب أو يشربه، فالأشربة التي فيها طيب كماء الورد وماء الكاذي ونحوها، أو المشروبات الساخنة التي يكون فيها الزعفران، أو الأكل الذي فيه الزعفران أو فيه الريحان، فهل هذا آخذ حكم التطيب في البدن؟ هذا كله مما يبحث في مسائل الطيب، فبين رحمه الله طيب البدن والثوب، ثم شرع بعد ذلك في حكم الصورة الثالثة من التطيب وهي الادهان به.
حكم استخدام الدهان للمحرم
قال رحمه الله: [أو ادهن بمطيب].
كأن يوجد معجون -كالموجود في زماننا- فيه طيب فادهن به، وفي حكم الادهان أن يغتسل بالطيب، كالصابون الذي يكون مطيباً، فإن الادهان والاغتسال كله إصابة لظاهر البدن، فالجميع لا يجوز، فلو كان هناك دهان شعر أو دهان بدن يحتاجه حتى ولو كان لمرض، وهذا الدهان الذي للمرض فيه رائحة طيب فلا يجوز، ويستوي في الادهان أن يكون الطيب قصداً، كأن تأخذ الورد وتدهن به، أو يكون مركباً مع شيء آخر، فإنه ككونه منفرداً، ويستوي الحكم في ذلك ما دام أن الرائحة موجودة والطيب موجود، وهو آخذ حكم التطيب كما ذكرنا.
ويستوي أن يكون الطيب منفرداً كأن يأخذ الورد أو العود ويدهن به، أو يكون مخلوطاً بغيره كالصابون المطيب برائحة ذكية يقصد منها أن يكون له أثر، فهذا لا يجوز أن يغتسل به، ولو وجد في الدواء -كالأدهنة التي يتعالج بها- ما فيه رائحة طيبة فإنه يرجع للأطباء ويسألون، فيقال لهم: هذه الرائحة الطيبة هل هي نكهة مضافة للدواء؟ لأن الأعشاب أو المستخلصات الطبية تكون رائحتها نتنة، فيحتاج لإزالة هذه الرائحة بوضع طيب، فحينئذٍ تجب الفدية، فيجوز له لمكان المرض أن يستخدم هذا الدهان، وتكون الفدية لازمة له، فوجود الأذى ووجود الضرر لا يمنع من الفدية، ولذلك قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة:196]، وكما لو حلق رأسه لضرر القمل كما في حديث كعب رضي الله عنه، وبسببه نزلت آية الفدية.
الشاهد: أنه إذا كان الدهان دهان علاج وطب وسألنا الأطباء فقالوا: هذا الطيب موضوع في الدهان لتطييب رائحته، لزمت الفدية بلا إشكال؛ لأن الطيب موجود وأثره موجود، لكن لو كانت هذه الرائحة الذكية في نفس الدواء والدهن، فجاءت من خلط الأعشاب ببعضها وليست الأعشاب بذاتها، ولكن طبيعة خلطها أخرج هذه الرائحة، فليس هذا من جنس الطيب، ولا يأخذ حكم الطيب؛ لأنها لم تأت قصداً وليست بطيب حقيقة وإنما حصلت اتفاقاً، وعلى هذا فإنه لا يلزم في هذا النوع من الدهن الفدية، ويجوز له أن يضعه لعلاج أو نحو ذلك ولا فدية عليه.
كذلك أيضاً: إذا كان الصابون الذي يغتسل به فيه طيب ورائحة فإنه حينئذٍ يتقيه ولا يغتسل به؛ لأن الله عز وجل حرم على المحرم أن يصيب الطيب، واستوى في ذلك أن يكون على سبيل الاغتسال أو يكون على سبيل الوضع مباشرة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (ولا تمسوه بطيب) وأجمع العلماء رحمهم الله على عدم جواز أن يصيب المحرم الطيب ويدهن به.
وفي حكم الادهان وضع اليد على موضع فيه طيب، كما لو وضع على الحجر الطيب، أو وضع على الركن اليماني الطيب ورأيته فإنك لا تلمسه؛ لأن اللمس سنة وإصابة لفضيلة، واجتناب الطيب وعدم مس البدن له واجب على المكلف أن يفعله بتعاطي الأسباب، فقدم ما يلزم المكلف على ما هو فضيلة ومستحب، وعلى هذا قالوا: لو رأى على الحجر أثر الطيب فإنه لا يلمسه ولا يقبله، وإنما يترك غيره من الحل يلمسه، فإذا لمسه وبقي أثر الطيب الذي هو الرائحة فذلك لا يضر، وإنما الذي يضر جلب الطيب ومادته.
حكم شم الطيب واستخدام الدهان المطيب للمحرم
قال رحمه الله: [أو شم طيباً]: شم الطيب لا يجوز للمحرم؛ لأن الشرع لما نص على النهي عن مس الطيب، فهمنا من ذلك أن مقصود الشرع أن المحرم لا يترفه بالطيب، وهذا من باب التنبيه بالشيء على ما هو آخذ حكمه، فإن شم الطيب يترفه به الإنسان كما يترفه بوضعه، ألا ترى أن الشخص لو وضع الطيب في بدنه إنما قصد من ذلك أن يشمه ويشمه الغير، فاستوى في ذلك أن يكون موضوعاً أو يقصده بالشم.
أما لو وقع شمه للطيب بدون قصد، كما لو طيب المطاف ووجدت فيه رائحة الند والعود فشممت هذه الرائحة من غير قصد، فإن هذا لا يؤثر، وكما لو مر بجوارك متضمخ بعود أو ورد أو طيب فشممته وأنت محرم فإن هذا لا يضر؛ لأنه حصل اتفاقاً ولم يحصل قصداً، ويجوز الشيء اتفاقاً ولا يجوز قصداً، وعلى هذا فإنه يعتبر شمه للطيب من محظورات الإحرام ولا يجوز له، سواء كان الشم بوضعه على البدن أو بوضعه على شيء والدنو منه، أو الدنو من الزرع والرياحين ونحو ذلك، كل ذلك مما حظر على المحرم أن يفعله.
قال: [أو تبخر بعود أو نحوه فدى].
قوله: (أو تبخر بعود)، أي: استجمر بالعود، (أو نحوه) أي: من الأعشاب التي لها رائحة طيبة، فإنه حينئذٍ يلزمه أن يفتدي، وقوله: (فدى) عائد للجميع، يعني: جميع هذه الإخلالات بالطيب في البدن والطيب في الثوب، وهكذا شم الطيب والادهان به توجب الفدية.
فلو ادهن بشيء لا طيب فيه كزيت الزيتون أو ادهن بدهان شعر، فهل يجوز له ذلك؟ جمهور العلماء: على أن الادهان لا يجوز للمحرم.
وقال فقهاء الحنابلة رحمهم الله: يجوز للمحرم أن يدهن إذا لم يكن في الدهان طيب.
واستدل الذين قالوا بالمنع بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل: (من الحاج؟ قال: الحاج التفث) قالوا: إن نصه عليه الصلاة والسلام على التفث، والمراد بذلك أن لا يدهن؛ لأن الإنسان إذا بقي على حالته كان أبلغ في تذلله لله سبحانه وتعالى في عبادته، وكأن مقصود الشرع أن يخرج الإنسان عن إلفه من الترفه، خاصة إذا كان غنياً أو ذا ثراء ونعمة، فيحس بنعمة الله عز وجل عليه، ويحس بفضل الله سبحانه وتعالى عليه.
فإذا أصبح يدهن ويتجمل كغيره فقد فات مقصود الشرع، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأهل مكة: (مالي أراكم تأتون مدهنين ويأتي الناس شعثاً غبراً، أهلوا لهلال ذي الحجة).
والمراد بهذه الكلمة: أن عمر رضي الله عنه نظر إلى الناس يوم التروية فرأى أن الآفاقيين يذهبون إلى منى وعرفات وهم شعث غبر، ولكن أهل مكة لحدثهم بالإحرام يأتون مدهنين فقال: أهلوا لذي الحجة.
قالوا: فدل على أن الصحابة فهموا أن مقصود الشرع أن يبقى الحاج على تفث وتفل في صورته حتى يكون أبلغ في تذلله لله سبحانه وتعالى.
والذي يظهر من جهة النص: أنه يجوز له أن يدهن، وليس هناك نص يمنع؛ لأن الحديث متكلم في إسناده، وضعفه غير واحد من الأئمة رحمهم الله وقالوا: إن هذا الحديث لا يثبت مرفوعاً، والأشبه أن يكون موقوفاً على عبد الله بن عمر رضي الله عنه وعن أبيه، وعلى هذا فإنه يجوز أن يدهن، ولكن الأفضل والأكمل أن يترك ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدهن.
المحظور السادس: قتل الصيد للمحرم
قال رحمه الله: [وإن قتل صيداً مأكولاً برياً أصلاً].
أي: هذا هو المحظور السادس وهو قتل الصيد، وهذا المحظور أجمع العلماء رحمهم الله عليه؛ لأن الله نص عليه في كتابه، وكذلك بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته الصحيحة، قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة:95]، وقال سبحانه وتعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة:96] فنص سبحانه على أن المحرم لا يصيد.
والصيد ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون صيد بر، وإما أن يكون صيد بحر، وأصل الصيد الحيوان المتوحش، ولذلك كان الحيوان في الأصل ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون مستأنساً، وإما أن يكون متوحشاً، فالحيوان المستأنس كالإبل والبقر والغنم، ومن الطيور كالدجاج والحمام إذا كان في منزل الإنسان، فهذه توصف بكونها مستأنسة؛ لأنها تأنس بالإنسان، وتألفه ويألفها، ولا تفر منه إذا جاءها، فهذا النوع من الحيوان يأمرك الشرع إذا جئت لتأكله أن تذكيه الذكاة الشرعية، إما بالذبح وإما بالنحر، أما الذبح فكالشاة والغنم، وأما النحر فكالإبل تطعنها في وهدتها وتنحرها، وما يكون جامعاً للأمرين فكالبقر يصلح فيه الذبح ويصلح فيه النحر، على خلاف بين أهل العلم رحمة الله عليهم، فهذا يسمى بالمستأنس، وذكاته ذكاة المستأنس.
هناك نوع ثانٍ: وهو المتوحش، ولا يمكن لك أن تصيبه إلا باحتيال أو مغافصة ومغالبة وقهر، كأن تغلبه حتى تمسك به، أو تجري وراءه فتمسكه، أو تطلق عليه السلاح فتعقره أو تقتله، فهذا يسمى بالصيد، وهو الحيوان الذي لا يأنس للإنسان ويفر عنه.
ويشمل الصيد الظباء والوعول والغزلان وبقر الوحش وحمار الوحش وتيس الجبل ونحوها مما خلق الله من الدواب التي يصيدها الإنسان ويحل له أكلها، وهذه من قسم المتوحش، وهو الصيد الذي أحله الله.
وكما ذكرنا في المستأنس أن فيه من الطير كالحمام والدجاج ونحوها من الطيور، ويكون أيضاً من الدواب كالإبل والبقر والغنم، فكذلك المتوحش في الصيد يكون من الدواب على وجه الأرض، كالظباء والوعول والغزلان والريم ونحوها، ويكون من الطيور فيشمل الحباري ويشمل الطيور التي ليست بيد الإنسان فهذه كلها توصف بكونها متوحشة وصيداً، لكن بشرط أن لا تكون من الطيور من الجوارح ذوات المخلب، فلا يجوز أكل الصقر ولا الباز ولا الشاهين ولا الباشق ولا النسر ولا العقاب ونحوها، فانقسمت الحيوانات إلى هذين القسمين: الصيد ويكون للمتوحش، وغير الصيد الذي يكون من المستأنسات.
وهناك نوع ثالث ليس من هذا ولا هذا، وهو الذي حرم الله من السباع العادية ذات الناب، كالأسد والنمر ونحوه، وذي المخلب من الطير كما ذكرنا في البواشق والنسور والصقور، فهذه كلها لا يجوز أكلها كما سيأتينا إن شاء الله في باب الذبائح.
فانقسمت الحيوانات إلى هذين القسمين، والله عز وجل حرم على المكلف إذا كان مُحْرِماً أن يصيد المتوحش منها، فلا يجوز له أن يصيده سواء كان برياً أو كان من الطيور؛ لأنه لا يجوز له إذا كان محرماً أن يصيده ولا أن يصاد له، ومحل التحريم إذا كان برياً، والعلماء يصفون ما كان برياً مما ذكرنا من الريم والغزلان والظباء والوعول، ويصفون الطيور أيضاً بأنها برية وأنها صيد بر؛ لأنها تأوي في الليل إلى أكنانها، ولا تستطيع أن تنفك عن الإيواء إلى أكنانها، فتأخذ حكم صيد البر.
هناك نوع ثانٍ: وهو صيد البحر، والمراد بذلك السمك والحوت، وهناك خلاف في غير السمك والحوت هل يدخل في صيد البحر، فيحل لنا جميع ما في البحر إلا ما كان ساماً أو عرف أنه يضر بالإنسان، أم أن الحكم خاص فقط بالسمك والحوت؟ أصح المذاهب في هذه المسألة مذهب الجمهور: أن الله أحل لنا ما في البحر، فيشمل جميع ما في البحر، إلا إذا كان ضاراً أو مستخبثاً، فهذا النوع من الصيد وهو صيد البحر حلال بإجماع العلماء لقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} [المائدة:96] ثم قال بعد ذلك: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ} [المائدة:96] عطفاً على صيد البحر، فدل على أن صيد البحر في الأصل حلال، سواء كنت محرماً أو غير محرم، فالمحرم يجوز له أن يصيد صيد البحر، ولكن لا يجوز له أن يصيد صيد البر.
إذا عرفنا هذه المقدمة، وأن الحيوان منه ما هو بري ومنه ما هو بحري، فيبقى السؤال عما جمع بين البر والبحر، وهو الذي يسمى بالبرمائي، هل يحرم على المحرم أن يصيده، أو لا يحرم؟ والبرمائي ينقسم إلى قسمين: منه ما لا يمكن له العيش والتكاثر والتوالد غالباً إلا في الماء كالضفادع ونحوها، فهذا يأخذ حكم ما في الماء، ويكون صيده صيد بحر، ومنها ما يكون تكاثره وغالب وجدانه في البر كالسلحفاة ونحوها فتأخذ حكم ما في البر، ويكون الحكم في حلها وحرمتها راجعاً إلى هذا التفصيل.
إذا تبين هذا فصيد البحر جائز بالإجماع؛ لنص الآية، أما صيد البر فلا يجوز لك إذا أحرمت أن تصيده، ولا أن تعين على صيده كأن تقول لرجل: انظر إلى هذه الحمامة أو هذا الطائر، أو أدرك الحمامة، أو صد الحمامة، ولا يجوز أن تشير إلى مكان الصيد، كأرنب ونحو ذلك، فتقول له: هو في هذا الموضع، بل يجب عليك أن تسكت حتى ولو رأيته أمامك.
ولا يجوز أن يصاد من أجلك؛ فلو صاد إنسان صيد بر وقصدك به وأنت محرم فلا يحل لك، ولا يحل أيضاً هذا الصيد الذي صيد للمحرم، وتكون تذكيته لاغية فيعتبر كالميتة، لا يجوز أكله ولا بيعه، فإذا صاد المحرم أو أعان على الصيد أو صيد من أجله فإن هذا الصيد يعتبر في حكم الميتة، لا يجوز أكله لا للمحرم ولا للحلال، فلو قلنا: إن المحرم لا يجوز له، كذلك أيضاً غيره؛ لأنه في هذه الحالة ينتقل إلى حكم الميتة على تفصيل عند أهل العلم رحمهم الله سيأتينا بيانه إن شاء الله في باب الأطعمة.
كذلك أيضاً: لا يصاد للمحرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: (أهدى له الصعب بن جثامة رضي الله عنه وأرضاه حمار وحش فرده عليه -لم يقبل الهدية، وقد كان بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه لا يرد الهدية- فلما ردها على الصعب تغيّر وجه الصعب رضي الله عنه وأرضاه، فقال عليه الصلاة والسلام يطيب خاطره: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم) أي: لكوننا حرماً وأنت صدته من أجلنا فإن هذا اقتضى عدم حله لنا، فإذا قيل: ما الدليل على التفصيل بين كونه يصاد له، أو لا يصاد له؟

الجواب
أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل هدية الصيد مرة وهو محرم، ولم يقبله مرة وهو محرم، فقبله في قضية أبي قتادة وهي ثابتة في الصحيحين، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد عمرة الحديبية خرج من المدينة، فبلغه أنه ربما جاءت بعض الأرسال والبعوث من المشركين تريد أن تؤذيه وهو محرم بالعمرة، فأرسل سرية لـ أبي قتادة وقال: (خذوا ساحل البحر)، فأرسلها من الجهة الغربية للمدينة على جهة الساحل، فأحرموا كلهم إلا أبا قتادة لم يحرم، وهذا يدل على أن من جاء من المدينة وقصد جهة رابغ أو جهة ينبع، أنه لا يلزمه الإحرام من ذي الحليفة؛ لأن أبا قتادة أخر إحرامه.
فأخذوا ساحل البحر، وقال: كونوا على ساحل البحر حتى نلتقي، وإذا حدث من العدو شيء يكون النبي صلى الله عليه وسلم على علم به، فلما أخذوا ساحل البحر كانوا كلهم محرمين إلا أبا قتادة فإنه لم يحرم، فسنح لهم حمار الوحش فجلس أصحابه ينظر بعضهم إلى بعض، ولم يخبره أحد بأن هناك صيداً، فالتفت أبو قتادة فإذا هو بحمار الوحش، فركب فرسه فسقط سهمه، فسألهم أن يناولوه فلم يعنه أحد ولم يناوله، فنزل عن فرسه وأخذه ثم عقر منها وصاد رضي الله عنه وأرضاه، فلما صاد هذا الصيد أكلوا، فلما أكلوا قالوا: أنأكل ونحن محرمون؟ فاشتبهوا، فتوقفوا عن الأكل حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: (هل أحد منكم أشار إليه؟ قالوا: لا، قال: هل أحد منكم أعانه؟ قالوا: لا، قال: هل بقي عندكم منه شيء؟ فأعطي عليه الصلاة والسلام من فضلته وقال: كلوا)، وأذن لهم أن يأكلوا.
فدل على أنه لا يعان الحلال من المحرم على الصيد، لا بإشارة، ولا بسلاح ونحوه، وأن المحرم يبقى ساكتاً مهما رأى، ولا يشير إليه بإشارة فعلية ولا ينبهه بالقول، فإذا نبهه بالقول حرم عليه الصيد، وإذا صاد المحرم فيحرم عليه أن يأكل الصيد أو ينتفع بما في الصيد، فلا يجوز له أن يأكل بيض الصيد؛ لأن هذا الصيد حرام عليه، والفرع تابع لأصله، ولا يجوز له أن ينتفع بفرعه إذا كان قد صاده هو، وإنما يرسل هذا الصيد حتى يأخذه على وجه شرعي معتبر، وحينئذٍ يحل الانتفاع به.
قوله: (برياً أصلاً) أي: يكون الصيد برياً أصلاً، فخرج البرمائي، فإن البرمائي ليس ببري أصلاً، ولو كان أكثر عيشه في البر فإنه لا يوصف بكونه برياً أصلاً.
وعلى هذا: خرج صيد البحر؛ لأنه ليس ببري أصلاً، وخرج ما جمع بين وصف البري والبحري معاً.
حكم قتل الحيوان المتولد من مأذون وغير مأذون
قال رحمه الله: [ولو تولد منه ومن غيره]: هذه مسألة ما إذا تولد الحيوان من مأذون وغير مأذون، فهل نغلب جانب التحريم فنمنع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم غلب جانب التحريم وقال: (إذا نهيتكم فانتهوا)، وقال عليه الصلاة والسلام: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)، والأصل أن هذا الحيوان يعتبر حراماً من جهة تذكيته وإعمال الذكاة به، حتى تتحقق أنه من جنس ما أحل الله أكله، هذا قول.
القول الثاني: إذا تولد من الحرام والحلال حل أكله؛ لأن الأصل أن الله سخر لنا ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، فلما لم نتحقق من الخروج عن هذا الأصل فيحل لنا أكله.
القول الثالث: ننظر إلى أم الحيوان، إن كانت أمه من الحلال فحلال، وإن كانت أمه من الحرام فحرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الولد للفراش وللعاهر الحجر)، فالشاهد أنه لا بد وأن يكون برياً أصلاً؛ لأن هذا أصل عند الحنابلة سنتكلم عليه إن شاء الله في باب الأطعمة.
قال: [أو تلف في يده فعليه جزاؤه].
سنتكلم إن شاء الله على جزاء الصيد، إذا قتله المحرم، وما هي الفدية وجزاء الصيد الذي أوجب الله على من قتل الصيد سواء كان متعمداً، أو كان مخطئاً، أو كان ناسياً؟ وهل هذه الفدية تخييرية، أو ترتيبية؟ كل هذا سنتكلم عليه في باب الجزاء إن شاء الله.
حكم قتل الحيوان المستأنس إذا بقي على حاله وإذا شرد
قوله رحمه الله: [ولا يحرم حيوان إنسي].
أي: كبقر وغنم، وقد تقدم إن الحيوان ينقسم إلى قسمين: إما متوحش فصيد، وإما مستأنس فحلال، لكن المستأنس من الإبل والبقر والغنم قد يخرج عن كونه مستأنساً إلى كونه متوحشاً، كما لو ندَّ البعير وكما لو شردت الشاة؛ فهو وإن كان مستأنساً في الأصل لكنه قد صار متوحشاً في الصورة، فهل هذا المستأنس إذا خرج إلى صورة المتوحش يعامل معاملة الصيد، أو لا؟ للعلماء قولان: القول الأول للجمهور: أن الحيوانات المستأنسة كالإبل والبقر والغنم والدجاج والحمام، لو فرّت وندت عن الإنسان عاملها معاملة الصيد، وإذا ضربها في أي مكان وقتلها فهي حلال، هذا مذهب جمهور العلماء، واستدلوا بحديث رافع رضي الله عنه وهو ثابت في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فندّ بعير -أي: شرد- فرمى رجل بسهم فعقره، فقال صلى الله عليه وسلم: إن لهذه الحيوانات أوابد كأوابد الوحش، فما ندّ منها فاصنعوا به هكذا)، فجعل المستأنس معاملاً معاملة الصيد والمتوحش بالنفور، قالوا: فإذا نفرت الشاة أو الدجاجة أو الأرنب أو البعير جاز لك أن تعامله معاملة الصيد، وعلى هذا: فلو إن إنساناً كانت عنده شاة ثم فرت فحينئذٍ لا يجوز له أن يعقرها؛ لأنه إذا عقرها كان صائداً لها.
وقال فقهاء المالكية: المستأنس إذا توحش يبقى مستأنساً ويعامل معاملة المستأنس، وعلى هذا القول يجوز أن يعقر هذه الشاة وأن يحبسها.
والقول الأول: أن المستأنس إذا ندّ وتوحش كان له حكم الصيد هو الصحيح؛ لأن المتوحش إذا أمسك به وقدر عليه الممسك صار في حكم المستأنس، ألا ترى أنك لو أمسكت بحمار وحش أو بقر وحش لم يجز أن تعقره وإنما تذكيه الذكاة الشرعية، فدل على أنه ينتقل من صفة المتوحش إلى صفة المستأنس باختلاف الصورة، وعلى هذا فإن الحيوان إذا ندّ وفر وهو مستأنس عومل معاملة المتوحش، فلا يحل للمحرم أن يعقره ولا أن يصيده.
حكم صيد البحر ومحرم الأكل
قال رحمه الله: [ولا صيد البحر].
أي: ويحل له صيد البحر، فإنه ليس بحرام بنص الآية: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} [المائدة:96] فدل على أن التحريم يختص بالبر دون البحر، وهذا بالإجماع.
قال: [ولا قتل محرم الأكل]: ولا يحرم على المحرم أن يقتل محرم الأكل، كالسباع العادية، فلو قتل أسداً أو نمراً فإنه لا يضر؛ لأن هذا ليس بصيد ولم يسمه الشرع صيداً؛ لأن الأسد والنمر ليس من جنس الحيوانات التي أباح الشرع أكلها، فلو أن إنساناً سألك وقال: كنت محرماً فلقيت أسداً وقتلته، هل يلزمني شيء؟ تقول: هذا ليس بصيد، ولا يلزمك جزاء الصيد، سواء عدا عليه الأسد أو لم يعدُ، وكذلك بالنسبة كذلك للفواسق، لو قتل حيةً أو عقرباً أو غراباً أو فأرة فهذا كله ليست فيه فدية، وليس فيه جزاء الصيد، وليس عليه شيء لقتله.
حكم قتل الصائل للمحرم
قوله: [ولا الصائل].
لو قتل صائلاً صال عليه، وهو الذي يهجم على الإنسان يريد أن يؤذيه في نفسه.
وهذا الصائل له حكم خاص في الشرع، قال: (يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: لا تعطه، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: يا رسول الله! أرأيت إن قتلني؟ قال: أنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار)، فالصائل الذي يصول على النفس أو يصول على العرض أو يصول على المال، فيأتي مشهراً سلاحه، سواء في بر أو غيره، هذا الصائل في الأصل فيه تفصيل: فإن أمكنك أن تفر عنه وتبتعد عنه، فلا يجوز لك قتله؛ لأن نفس المسلم محرمة، والأصل أنه محرم الدم، فلا يجوز لك أن تستبيحه إلا عند الحاجة، فإذا كان يمكن تلافي ضرره بالفرار فيجوز لك أن تفر، بل يجب عليك أن تفر، ولا يجوز لك قتله، فإن قتلته مع القدرة على الفرار كان الحكم كحكم قتل العمد في قول طائفة من العلماء؛ لأنه لا يرخص لك بقتله، وقال بعض العلماء: يسقط القصاص ويكون حكمه حكم شبه العمد وتغلظ الدية، على تفصيل يأتي -إن شاء الله- في باب القصاص.
الحالة الثانية: أن يأتي وهو يريد العرض، فيمكنك الفرار أو يمكنك دفعه، يأتي -مثلاً- شاهراً سلاحه، فيمكنك أن تضربه في يده فتسقط السلاح من يده، أو تعقره بضربة لا يستطيع أن يقتلك بها، فحينئذٍ لا يجوز لك أن تعدل إلى قتله مع القدرة على عقره.
فالحالة الأولى: أن يمكنك الفرار عنه، أو تضع شيئاً بينك وبينه لتأمن ضرره، فحينئذٍ لا يجوز لك قتله، أو تستطيع أن تصارعه أو تدافعه فتأمن ضرره، فتصارعه وتدافعه ولا تقتله؛ لكن إذا تعين ولم تستطع أن تدفع ضرره إلا بالقتل فحينئذٍ يحلّ لك قتله ودمه هدر؛ وذلك لأنه اعتدى، وباعتدائه على المسلم سقطت حرمة نفسه فإذا لم يمكنك دفع ضرره إلا بالقتل فإنه يقتل ويكون مهدر الدم، هذا إذا اعتدى على النفس.
وكذلك إذا اعتدى على العرض، كأن يكون اعترض الإنسان في طريقه، فإن أمكنه أن يدفع ضرره فبها ونعمت، ولا يجوز له أن يقتله في هذه الحالة، لكن إذا كان معه من السلاح أو الضرر ما لا تستطيع معه دفعه ولا تستطيع معه الفرار، وغلب على ظنك أنه سيصل إلى الحرام، وأنه لا سبيل إلى كف ضره إلا بقتله حلّ لك قتله في هذه الحالة، وهذا بإجماع العلماء رحمة الله عليهم.


مواضيع من نفس القسم:



رد مع اقتباس


إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة

الانتقال السريع

مواقع صديقة :

سفاري للسفر و السياحة



جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 12:26 AM.


بدعم من vBulletin
الحقوق محفوظة لـ ©2000 - 2022، Jelsoft Enterprises Ltd


Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.1